الجمعة، 9 مايو 2014

تحليل أبيات شعرية لعمر بن أبي ربيعة


أ‌-     الأفكار والمعاني:

·        يتعرض الشاعر في هذه المقطوعة لحادثةٍ من واقع حياته العابثة، حيثُ يصف إعجابه بجمال امرأة رآها أثناء رمي الجمرات، في موسم الحج، فأخذ يتغزل بجمالها شعرا، وهذا الموقف شبيه بمواقف عدة، شبَّب فيها الشاعر بالجميلات من الحاجّات في ديوانه، إذ المعروف عنه أنه كان يتخذ أحسن زينته في موسم الحج ويتعرَّض للنساء الجميلات، مشببا بهذه ومتغزلا بجَمال تلك، مصرِّحًا بهذا علانيةً في شعره، ومن هنا فقد سُمِّيَ هذا الصنف من الغزل بالغزل الصريح، وهو مرآةٌ صادقةٌ لحياة الشاعر ابن أبي ربيعة العابثة اللاهية، وتهافته على المرأة وبحثه عن شتى سبل الاتصال بها، لهذا فقد طغى غرض الغزل على كل ديوانه، وكان على اقتدار كبير في هذا الفن، مما حدا بالقدامى إلى اعتباره زعيم مدرسة الغزل الصريح في العصر الأموي، ومن المحدثين من زاد على هذا، فقد اعتبره د. طه حسين زعيمَ الغزلين جميعا 1.

·        نرى الشاعر يقتصر في افتنانه بجَمالِ محبوبته، على ما رآهُ من معصمها، وكفها المخضوب، وبنانها، أثناء رميها للجمرات، فهو إعجابٌ حسِّي بالمرأة، قائم على الوصف المادي لجمالها، وهذه سمة بارزة عند أصحاب الغزل الصريح، فهم يعنون غالبا بوصف المفاتن الحسية في جسد المرأة، فيكون حبهم للمرأة هو حب لجمالها المادي البحت، ومن هنا تتعدد لديهم المحبوبات، فلا ينتهي أحدهم من حب إحداهن، إلا ويجذبه جمال أخرى، متمثلين في هذا ببيت ابن أبي ربيعة الشهير:
سلامٌ عليها ما أحَبَّتْ سلامَنا   ***   فإن كرهتهُ فالسلامُ على أخرى
وهذا على عكس أصحاب الغزل العذري، من أمثال جميل بن معمر وقيس بن ذريح، فحبهم يتسامى عن اللذات الحسية، فهو حب معنوي، ومن هنا كان الشاعر يُخلص في حبه لمحبوبة واحدة فقط، وغالبا ما يُلحَقُ اسمُها باسمه، كما قالوا جميل بثينة، وقيس لبنى، وكثيِّر عزة.

·        في البيت الثالث يُشير الشاعر إلى أن اتفاقًا على اللقاء في موضع الثنية بينه وبين محبوبته قد حصل، وأن هذا اللقاء قد تم، وأنها هي التي بادرته بالسلام، وكأنه يُلمِّح بهذا إلى إقبالها الشديد عليه ورغبتها فيه، وهذه تيمة و ظاهرة في الغزل العربي لم تُعرف قبل عمر بن أبي ربيعة، وهو أن يكون الشاعرُ مركز اهتمام محبوبته، فهي التي تهيم به، ويأسرها حبه، وتترقبه و تتعقبه، ولو قرأنا ديوان عمر بن أبي ربيعة، لوجدناه هو المحبوب في كثير من قصائده، تتهافت عليه المرأة، حتى إنه لَيصوِّرُ كَلَفها به ولحاقها له، مع تمنُّعه عنها وتأبِّيه، يقول في إحدى قصائده:
قالتْ لِترْبٍ لها تُحدِّثُها   ***   لنُفسِدَنَّ الطوافَ في عُمَرِ
قومي تَصَدَّيْ له ليعرفنا   **   ثم اغمزيهِ يا أختِ في خَفَرِ
قالتْ لها قد غمزتُهُ فأبى  **   ثم اسبطَرَّتْ تسعى على أَثَري
ولم يكن وصفه لذاته بهذه الطريقة من فراغ، فقد كان عمرُ ذا مالٍ وجمالٍ ونسبٍ وحسبٍ، فليس بغريب أن تستبق النساء إلى مودته، إلا أن كثرة وصفه لذاته في قصائده على هذا النحو، جعلت النقاد القدامى، وبعض المحدثين كذلك، يجعلون سبب هذا الوصف ما رأوهُ فيه من تيهٍ وغرورٍ ونرجسيةٍ، و في الأغاني أن ابن أبي عتيق قال له ذات مرة: لم تُشَبِّب بها و إنما شبَّبتَ بِنفسك. وقد وقف د. طه حسين موقفا وسطا من هذا، فاعتبر حب النساء له و تهالكهن عليه واقعا حقا، قام الشاعر بوصفه، دون أن ينكر أن يكون هذا قد اضطره إلى شيء من التيه و الغرور.

·        ويأتي البيت الرابع حاملا قدرا من التظرف أراد الشاعر توظيفه في النص، أو لعله أنشأ الأبيات فقط من أجله، فإنك لا ترى في هذه الأبيات لوعة المحب و شوقه إلى محبوبه، و لا عذاب العشاق و دموعهم، و لا شكوى الفراق أو الصدود، كما هو شائع عند شعراء الغزل، بل إن الهدف الأوحد من هذه الأبيات الغزلية هو الطرافة و الظرف، واللذان تجدهما حاضرين في البيت الأخير، حيث يُشير إلى أن جمال الموصوفة قد أذهله و أنساه عدد الرميات التي رماها، بالرغم من مقدرته الحسابية! من هنا يمكن القول إن فكرة القصيدة قائمة على البيت الأخير فيها، و لا نغفل أن نذكر أن لهذا الغزل الظريف –إن جازت تسميته بهذا- قرائن كثيرة في ديوان الشاعر، تجعل منه مذهبا كان الشاعر يتبعه في كثير من قصائده، و لعل شيوع الغناء و مجالس اللهو في بيئة الحجاز، قد ساهم في اتجاه الغزل هذا الاتجاه، ومن ثم يمكن القول إن مثل هذه المقطوعات كانت مما يطلبه المغنين في أغانيهم، و مما يأنس له مُرتادو مجالس اللهو والطرب، لما لها من ظرافة تبهج المستمعين. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.      مقالة للدكتور طه حسين بعنوان " زعيم الغزلين عمر بن أبي ربيعة "، نشرت بجريدة السياسة في 10 ديسمبر 1924 م.



ب. اللفظة المفردة:

    جاءت ألفاظ المقطوعة سهلةً واضحة المعاني، تخلو من أي جفاف أو غرابة، فهي مطبوعة بطابع حضري رقيق، مما يتناسب أولا مع طبيعة الشاعر و بيئته، فهو من بيئة حضرية مدنية، و مما يتناسب ثانيا مع الغرض المنشود من الأبيات، وهو الغزل، و الذي تناسبه رقة الألفاظ و سهولتها.
    وقد جاءت أغلب الألفاظ مطابقة لمعناها المعجمي، خالية من الدلالات الإيحائية، ما عدا قوله (شمسٌ) في البيت الأول، حيث أراد بها إشراق جمال محبوبته على سبيل الاستعارة. و لعل خلو الألفاظ من الإيحاءات مرده إلى أن الشاعر في خِضمّ سرد تجربة واقعية خاضها، فهو يسرد موقفا عايشه أثناء تعرضه للنساء في موسم الحج، فلا ريب من أن تقترب ألفاظه من أرض الواقع، و لا تتجاوزه بالإيحاء إلا قليلا.
    وقد زاوج الشاعر في ألفاظه بين استخدام الأسماء و الأفعال، فجاءت الأسماء -في قسمٍ منها- أعلاما تدل على المكان، مثل: (المحصَّب) و (منى) و (الثنية)، و في القسم الآخر أسماءَ ذواتٍ جامدة ، مثل: (شمس) ، (معصم)، (كف)، (بنان)، (البغل)، (الجمر) ، كما جاءت الأفعال مناسبةً للسرد القصصي الذي كان الشاعر في صدده.



ج. العبارة:

غلب على الشاعر في أبياته استخدامُ الجملة الفعلية عوضا عن الاسمية، ولعل مرد هذا إلى أن الجملة الفعلية أقدر على وصف حركة الأحداث من نظيرتها الاسمية، و أنسبُ للطابع السردي الذي سارت عليه الأبيات.

كما زاوج الشاعر بين الأساليب الخبرية والإنشائية، فجاءت الأساليب الخبرية لتقرير الأحداث التي عايشها الشاعر، في حين جاءت الأساليب الإنشائية لأغراض بلاغية، مثل أسلوب القسم في قوله (فوالله ما أدري)، والغرض منه هو توكيد النفي، و أسلوب الاستفهام في قوله: (بسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمان ؟) و أداة الاستفهام هنا محذوفة فالمقصود: ( أبسبعٍ رميتُ الجمر أم بثمانِ ؟) والغرض من الاستفهام هو التعجب والدلالة على ذهول الشاعر من جمال المحبوبة.




 د. الصور الفنية:

    جاءت الصور الفنية قليلةً في الأبيات، و لعل مردَّ هذا إلى أمرين: الأول هو قلة عدد الأبيات التي استخدمها الشاعر، حيث لم يصف أحداث مغامرته العاطفية إلا في أربعة أبيات، و الثاني هو ما تم ذكره سابقا من أن الشاعر كان يسرد أحداثا واقعية جرت له، مما جعله أقرب إلى الواقع من الخيال.
    لذلك لم ترد إلا صورةٌ فنيةٌ واحدةٌ، جاءت في البيت الأول وهي ( لقد عرضت لي ... شمسٌ )، فقوله شمس استعارة تصريحية، حيث شبه المرأة التي رآها بالشمس، و حذف المشبه (المرأة) و أبقى على المشبه به (شمس)، على سبيل الاستعارة التصريحية، ووجه الشبه هو إشراق جمال المذكورة و نورها.


 

و. الإيقاع و الموسيقا:

جاءت الأبيات على البحر الطويل، والبحر الطويل هو من أنسب البحور للقصص، ذلك لأن " في خفاء جرسه، واعتداله، و طول نَفَسِهِ ما يعين على القصص، وعنصر القصص و النعت فيه من الطراز الذي يدعو السامع أن يصغي ويتفهم قبل أن يهتز ويرقص" 1.

وجاءت القافية نونًا مكسورةً، و النون حرفٌ أنفي مجهور، فيه نوع من الأنين، والكسرة فيها انكسار و تحسر، وكلا الأمرين من نونٍ و كسرةٍ، جاء مناسبًا لغرض الشاعر، فالأبيات على ما فيها من ظرافة في نهايتها، تحكي عن تحسَّر الشاعر على ضياع فرصة اتصاله بتلك الفاتنة التي رآها، ذلك أن بغله اللعين – على حد تعبيره- قد نازعه العنان أثناء لقائه بفاتنته، و لم يثبت به في مكان لقائه بها، فضاعت عليه بالتالي فرصة الحديث مع محبوبته و الاتصال بها، فهو لهذا متحسر، و بالتالي جاءت النون المكسورة مناسبة لهذه الحالة الشعورية.

وبالإجمال، فقد جاءت الموسيقى، من وزن و قافية، مناسبة لغرض القصيدة، و الحالة الشعورية الغالبة عليها، فالبحر الطويل جاء مناسبا، لما فيه من موسيقى خافتة تعين على القص و السرد، ولا تشغل الأذهان بموسيقى صاخبة، و النون المكسورة جاءت مناسبة للحالة الشعورية التي عليها النص، وهي التحسر على ضياع فرصة الاتصال بتلك المرأة الجميلة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.      د. عبد الله الطيب: المرشد في فهم أشعار العرب و صناعتها، الجزء الأول، الدار السودانية، الخرطوم، الطبعة الثانية، بيروت، 1970، ص 368.

 

الأحد، 22 ديسمبر 2013

واو الثمانية

واو الثمانية:

هي عند من قال بها: واوٌ تلحق الثامن من العدد، فيقولون: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية، إشعارا بأن السبعة عدد كامل وما بعدها عدد مستأنف(1).
قال ابن هشام: " واو الثمانية: ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي..." (2)
واستأنس أبو الحسن الرماني بشواهدها وذكر أن علي بن عيسى الربعي كان يصحح القول بها(3). كما ذهب الثعالبي إلى أن "واو الثمانية مستعملة في كلام العرب"(4).
وعليه فإن من جملة من أثبتوها: ابن خالويه (370هـ)، والرماني (384هـ)، وعلي بن عيسى الربعي (420هـ)، والثعلبي (427هـ)، والثعالبي (429هـ) ، والحريري (516هـ)، وغيرهم.
وقد استدلوا على واو الثمانية بأربع آيات:
الأولى: قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾(5)
والثانية: قوله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾(6).
والثالثة: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ(7)
والرابعة: قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾(8)، لأن أبواب الجنة ثمانية، في حين أنه لما ذكر جهنم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾(9) لأن أبوابها سبعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: الجنى الداني 167، ومغني اللبيب 4/391،
 وفقه اللغة 395، ومعاني الحروف 64.
(5) التوبة 112.
(6) التحريم 5.
(2) مغني اللبيب 4/390.
(7) الكهف 22.
(3) معاني الحروف 64.
(8) الزمر 73.
(4) فقه اللغة 395.
(9) الزمر 71.


واستدلالاتهم مردودة، تصدى لها وفندها العديد من أهل العلم كابن هشام والمرادي والمالقي وابن القيم والعلائي الدمشقي وغيرهم.
فالواو في قوله تعالى: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عاطفة، جاءت للربط بين الأمر والنهي وهما متقابلان بخلاف بقية الصفات(1)، أو لأن الآمر بالمعروف لا يخلو من أن يكون ناهيا عن المنكر، والعكس صحيح، فأحدهما يتضمن معنى الآخر، فجيء بالواو للاعتداد بكليهما معا وعدم الاكتفاء بأحدهما لتضمنه معنى الآخر(2)
والواو في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ واو عطف، ولا يصح إسقاطها في هذا الموضع بتاتا؛ لأنها واقعة بين صفتين متنافيتين هما الثيوبة والبكارة، ولا يصح اجتماعهما معا في آن واحد، في حين أن المراد من بقية الأوصاف اجتماعها كلها في النساء(3)
والواو في قوله تعالى: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ جاءت لتصديق القول الثالث وهو أن عدة أهل الكهف سبعة، وعليه فهي إما عاطفة والعطف من كلام الله تعالى تصديقا لقولهم: سبعة، والتقدير: نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم(4)وإما استئنافية إيذانا بانتهاء كلامهم عند قولهم سبعة، وابتداء كلامه تعالى بعدها، وهو يتضمن تقرير قولهم سبعة، " كما إذا قلت: ((زيدٌ كاتب))، فقال المخاطب: ((وشاعر))، فإنه يقتضي إثبات الكتابة له وزيادة وصف الشعر(5) ". 
والواو في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ إما عاطفة، أو مقحمة كما مر سابقا، أو واو الحال دلالة على أن أبواب الجنة "إنما فتحت لهم قبل مجيئهم إكراما لهم عن أن يقفوا حتى تفتح لهم(6) ". في حين أن الواو لم تأتِ عند الحديث عن أبواب النار، دلالة على أن تفتيح أبوابها كان "حال موافاة أهلها، ففتحت في وجوههم؛ لأنه أبلغ في مفاجأة المكروه(7) ".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: الجنى الداني 168. والمغني 4/395.

(2) انظر: المغني 395، والفصول: 144، وبدائع الفوائد 3/918.

(3) انظر: الجنى 169. والمغني 4/397. والكشاف 6/160. وبدائع الفوائد 3/918.

(4) المغني 4/391.

(5) بدائع الفوائد 2/666، و3/919.

(6) المغني 4/394.

(7) بدائع الفوائد 3/919.

الاثنين، 12 أغسطس 2013

تحليل لمقطع من قصيدة خرافات لنازك الملائكة

 
 
قراءة في عتبات النص:
يمثل العنوان العتبة الأولى من عتبات هذا النص، وقد جاء العنوان (خرافات) بصيغة الجمع والتنكير للتكثير والتعميم، فهو يفتح للقارئ مجالا واسعا للتأويل، فالنص يدور حول أكثر من خرافة، دون أي تحديد لماهية هذه الخرافات.
وتأتي العتبة الثانية لتلقي مزيدا من الضوء على النص، وهذه العتبة تتمثل في الإهداء الذي يلي العنوان، ونصه: " هدية إلى صديقتي ديزي الأمير تحية لذكرى مساء فلسفنا فيه كل شيء حتى الكراسي والمناضد والستائر".
ومن خلال العتبتين، فقد تشكل شيء من أفق التوقع لدى القارئ لما سيحمله النص، فهو نص شعري حر يدور حول مجموعة من الخرافات، والحديث عن هذه الخرافات يقوم على رؤية فلسفية ما، قد تفلسف حتى الجمادات، أما عن كنه ودلالة هذه الخرافات فهو تساؤل لا يحمل إجابته إلا النص نفسه.
 
قراءة أولية (عامة) للنص:
ينطلق النص من رؤية وتصور الشاعرة للحياة ومظاهرها في مقابل رؤية الآخرين لها، ورؤية الشاعرة هنا تقوم على نقض ما يراه الآخرون، فما الحياة والنعيم والأمل والشباب وغيرها من مظاهر الحياة إلا محض خرافات يحسبها الناس موجودة ولا وجود لها، فهي رؤية ذات طابع تشاؤمي كبير، بحيث انقلبت فيها موازين الأشياء، فالحياة موت، والأمل حسرة، والنعيم ذبول وأفول...الخ، وتتوسل الشاعرة في سبيل إقناع المتلقي برؤيتها الخاصة بمجموعة من الصور والأخيلة الحزينة التي تهدف إلى التأثير في المتلقي، ولكنه تأثير ينصب على الوجدان ولا يتجاوزه إلى العقل.  
 
قراءة تحليلية:
تبدأ الشاعرة بعرض الخرافة الأولى في عبارة (قالوا الحياة)، فتأتي بالفعل (قال) بصيغة الماضي دلالة على مضي هذا القول وانقطاعه، ثم تسنده إلى واو الجماعة العائدة على غير مذكور، دلالة على كثرة وعدم أهمية أصحاب هذا القول، ولينصب بالتالي التركيز على المقول لا على القائل، والمتمثل في كلمة (الحياة)، لتظهر للقارئ الخرافة الأولى من الخرافات التي أشارت إليها عتبة العنوان، وهي خرافة الحياة.
وأول علامة على رفض الشاعرة لما يسمونه بالحياة جاءت عن طريق جعل عبارة (قالوا الحياة) غير موازية ولا محاذية لبقية أسطر المقطع الأول، دلالة على التفريق بين رؤية الآخرين للأشياء ورؤية الشاعرة لها.
وعلى عكس الجملة الفعلية الماضوية التي عبرت بها الشاعرة عن قول الآخرين،
فقد توسلت في عرضها لرؤيتها الذاتية للحياة بمجموعة من الجمل الاسمية، مستفيدةً مما تحمله الأسماء من دلالة الثبات والاستمرار؛ تقويةً وتأكيدا على ثبات ما تقوله.
كما توسلت في سبيل التأثير في وجدان المتلقي بمجموعة من الصور البيانية القاتمة؛ حيث شبهت في السطر الثاني الحياة عن طريق الضمير (هي) بلون عيني شخص ميت، وهو لون فارغ يخلو من الحياة، فالحياة والموت شيء واحد في نظر الشاعرة ولا فرق بينهما.
وتؤكد هذه الفكرة في السطر الثالث حين تشبه الحياة كذلك بصوت خطوات القاتل المتلفت، فالقاتل هو الحياة، والمقتول هو الإنسان، وسماع وقع خطو القاتل هو اقتراب الموت من الإنسان في هذه الحياة.
وفي السطر الرابع، تستعير لأيام الحياة صفة التجاعيد التي تكون عادة صفة في المرأة العجوز أو الرجل المسن، والهدف من هذه الاستعارة هو تشويه صورة الأيام.
وتؤكد كذلك فكرة الموت حين تشبه الأيام المتجعدات بالمعطف المسموم الذي يحمل الموت لمن يلبسه وهو الإنسان.
ويظهر توظيف الموروث عند الشاعرة من خلال نوعين من أنواع التناص: أولهما التناص التاريخي حيث تداخل هذا النص من خلال صورة المعطف المسموم مع قصة المعطف المسموم الذي قُتِلَ به امرؤ القيس. والثاني التناص الأسطوري، حيث وظفت الشاعرة أسطورة الغول (السعلاة) - وهي نوع من الشياطين تظهر للناس في الفلاة فتتلون لهم في صور شتى لتضللهم وتهلكهم- فشبهت أحلام الحياة بابتسامة السعلاة التي تخدر عين الناظر إليها، وتخفي له وراء بسمتها الموت والهلاك.  


الأحد، 28 يوليو 2013

مَنْ مُجيري؟

 
يا لَظبيٍ لِمُدنفٍ في هَواهُ  **  بانَ والقلبُ عندَهُ مكبولُ
من مُجيري من لحظهِ حين يرنو  **  وعَذيري إذا عراني الذهولُ
في الخُزامى بقيةٌ من شذاهُ  **  وعلى الماء طُهرُهُ مسبولُ
 
29/ 6/ 2011


الأربعاء، 24 يوليو 2013

حنين

 
ما عاد يُشجيني سوى..
تلكَ التفاصيلُ الصغيرةْ
تافهةً كانت بعينيَّ..
كعشبةٍ قصيرةْ
ما كنتُ أدري أنها..
أحداثُ حلقةٍ أخيرةْ !


الاثنين، 15 يوليو 2013

إدمان


حُبُّكِ يا سيدتي..

كَلُفافةِ تَبْغٍ..

أُشعِلُها بِيَدي..

أَتَنَفَّسُها دومًا في صدري..

وأنا أدركُ أنَّ النيكوتينَ سيقتلني..!
 

السبت، 13 يوليو 2013

النوم خلف الأقنعة

من أين يأتي نَصْرُنا...؟
من أين تأتي المغفرهْ...؟
ونحن أُمَّةٌ تَبُزُّ غَيرَها..
في الثرثرهْ
ونحن لا نشعرُ بالخِزْيِ.. 
أمامَ المِنظرهْ
وجوهُنا اعتادتْ.. على الأقنعةِ المُعَبِّرهْ
وجوهنا اليوم غدتْ.. كالعُملةِ المُزَوَّرَهْ
عيوننا مكحولةٌ.. أثوابنا مُعَطَّرَهْ..
وتحتها الأرواحُ..
في ذِلَّتِها مُعَفَّرَهْ
وِجدانُنا.. إِحساسُنا..
دفاترٌ مُسَطَّرَهْ
موقفُنا القوميُّ..
مسرحيةٌ مُحَضَّرَهْ
إسلامُنا.. وحدتُنا..
مَقُولةٌ مُكَرَّرَهْ
يا أمةً.. يا عَبلةً..
مخطوفةً.. مُطَهَّـرَهْ..
على لسانِ حالِها:
متى سيأتي عنترهْ...؟!
متى تَرى النورَ متى؟..
عيونُكِ المُخَدَّرَهْ.


12/7/2013